الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
253
تفسير روح البيان
النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها . وهذا فزع منه إلى الطاف اللّه جريا على سنن الأنبياء والصالحين في قصر نيل الخيرات والنجاة من الشرور على جناب اللّه وسلب القوى والقدر عن أنفسهم ومبالغة في استدعاء لطفه في صرف كيدهن بإظهار ان لا طاقة له بالمدافعة كقول المستغيث أدركني والا هلكت لأنه يطلب الإجبار والإلجاء إلى العصمة والعفة وفي نفسه داعية تدعوه إلى هواهن وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ اى الذين لا يعملون بما يعلمون لان من لم يعمل بعلمه هو والجاهل سواء أو من السفهاء بارتكاب ما يدعونني اليه لان الحكيم لا يفعل القبيح وفيه دلالة بينة على أن ارتكاب الذنب والمعصية عن جهل وسفاهة وان من زنى فقد دخل من جملة الكاذبين في الجهل فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ دعاءه الذي تضمنه قوله وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ إلخ فان فيه استدعاء لصرف كيدهن والاستجابة تتعدى إلى الدعاء بنفسها نحو استجاب اللّه تعالى دعاءه وإلى الداعي باللام ويحذف الدعاء إذا عدى إلى الداع في الغالب فيقال استجاب له ولا يكاد يقال استجاب له دعاءه كما في بحر العلوم فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ حسب دعائه وثبته على العصمة والعفة حتى وطن نفسه على مقاساة السجن ومحنته واختارها على اللذة المتضمنة للمعصية إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لدعاء المتضرعين اليه الْعَلِيمُ بأحوالهم وما يصلحهم وعن الشيخ أبى بكر الدقاق قدس سره قال بقيت بمكة عشرين سنة وكنت اشتهى اللبن فغلبتني نفسي فخرجت إلى عسفان وهو كعثمان موضع على مرحلتين من مكة فاستضفت حيا من احياء العرب فوقعت عيني على جارية حسناء أخذت بقلبي فقالت يا شيخ لو كنت صادقا لذهبت عنك شهوة اللبن فرجعت إلى مكة وطفت بالبيت فأريت في منامي يوسف الصديق عليه السلام فقلت له يا نبي اللّه أقر اللّه عينك بسلامتك من زليخا فقال يا مبارك بل أقر اللّه عينك بسلامتك من العسفانية ثم تلا يوسف ولمن خاف مقام ربه جنتان وانشدوا وأنت إذا أرسلت طرفك رائدا * لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر * عليه ولا عن بعضه أنت صابر قال بعضهم لا يمكن الخروج من النفس بالنفس وانما يمكن الخروج عن النفس باللّه وقال الشيخ أبو تراب النخشبى قدس سره من شغل مشغولا باللّه عن اللّه أدركه المقت في الوقت فليس للعصمة شئ يعادلها والإشارة ان القلب إذا لم يتابع امر الدنيا وهوى نفسه ولم يجب إلى ما تدعوه دواعي البشرية يكون مسجونا في سجن الشرع والعصمة من اللّه تعالى والقلب وان كان في كمالية قلب نبي من الأنبياء لو خلى وطبعه ولم يعصمه اللّه من مكايد الدنيا وآفات دواعي البشرية وهواجس النفس ووساوس الشيطان يميل إلى ما يدعونه اليه ويكون من جملة النفوس الظلومة الجهولة كما في التأويلات النجمية : قال الحافظ دام سخت است مگر لطف خدا يار شود * ور نه آدم نبرد صرفه ز شيطان رجيم نسأل اللّه القوة والغلبة على الأعداء الظاهرة والباطنة انه هو المعين ثُمَّ بَدا لَهُمْ اى ظهر للعزيز وأصحابه المتصدين للحل والعقد رأى وثم يدل على تغير رأيهم في حقه مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ اى الشواهد على براءة يوسف كشهادة الصبى وقد القميص وغيرهما